14 février 2008 4 14 /02 /février /2008 20:57

مسالة الموضوعية في العلوم الإنسانية
أحمد أغبال
على ماذا يدل مفهوم الموضوعية في العلوم الإنسانية؟ وماذا يعنى القول بأن نظرية اجتماعية ما تمثل تحليلا علميا موضوعيا لمجموعة من الظواهر الاجتماعية؟  هناك عدة أطروحات تستحق المناقشة، ولسوف نستعرضها بشكل مركز فيما يلي.
                       I.          دلالات وأبعاد مفهوم الموضوعية في العلوم الإنسانية
1. هناك أطروحة تقول بأن الوقائع الاجتماعية التي يجعل منها الباحثون موضوعا لدراساتهم توجد في استقلال عن أجهزتهم المفاهيمية ونظرياتهم. يتعلق الأمر هنا بالاعتقاد بوجود عالم موضوعي قائم بذاته؛ وهذا ما يسمى بالموضوعية الأنطلوجية. إن ما يميز هذه الأطروحة هو إيمانها بأن الحقائق العلمية لابد أن تكون لها صلاحية كونية ما دامت الوقائع تتمتع بوجود موضوعي بسبب وضعها الأنطلوجي المستقل عن تصورات الملاحظ. إن البنيات والعمليات الاجتماعية، من وجهة النظر هذه، توجد في استقلال عن الملكات العقلية الذاتية؛ ويكون هدف النظريات العلمية في هذه الحالة هو وصف البنيات الاجتماعية وآليات اشتغالها والكشف عن القوانين التي تفسر المعطيات الملاحظة بعيدا عن تصورات الناس لما ينبغي أن تكون عليه وعن كل ما يتصل برغباتهم وأهوائهم بشأنها. يرتكز هذا التصور للوقائع الاجتماعية على مصادرة مفادها أن الظواهر الاجتماعية تتشكل كنتيجة لقوانين موضوعية مستقلة عن إرادة البشر ورغباتهم.
2. وهناك أطروحة التي تقول إنه بإمكان نظرية تتعلق بمجموعة من الوقائع الاجتماعية أن تتبلور يناء على المعرفة الدقيقة بالوقائع وأن تستند في بنائها على مبادئ وقواعد معقولة، بحيث يكون البناء النظري متناسبا مع المعطى الأمبريقي؛ وهذه هي الموضوعية بالمعنى الإبستملوجي. إن ما يميز هذه الأطروحة عن الأطروحة السابقة – التي تنطلق في تحديها لمفهوم الموضوعية من الموضوع - هو أنها تركز في تصورها لشرط الموضوعية في العلوم الإنسانية على الإجراءات المنهجية وطريقة البحث. يستفاد من هذه الأطروحة أن ما يميز النظريات العلمية في المقام الأول هو منهجها العلمي الذي يتعامل مع المعطيات الأمبريقية بطريقة موضوعية؛ ومعنى ذلك أنه يجب أن يستند الباحثون في دراساتهم على مجموعة من الإجراءات الواضحة التي يمكن الاحتكام إليها في تقييم النظريات المتنافسة ومقارنة بعضها ببعض فيما يتعلق بدرجة علميتها.
  3. وتذهب الأطروحة الثالثة إلى أن الوقائع الاجتماعية توجد في استقلال عن وعي الفاعلين الاجتماعيين المنخرطين فيها. وهذا هو التصور الوضعي للوقائع الاجتماعية الذي يمثله أوجست كونت ودوركايم خير تمثيل والذي يقف في مقابل التصور الفينومينولوجي أو التأويلي للظواهر الاجتماعية الذي ترجع جذوره إلى ديلتي مرورا بماكس فيبر.
4. وتقول الأطروحة الرابعة بأن البحث العلمي يستلزم اتخاذ موقف الحياد من الناحية القيمية والمصلحية، تنطلق هذه الأطروحة من الاعتقاد بإمكانية استبعاد أحكام القيمة استبعادا كليا أثناء مزاولة البحث العلمي، وهو ما لا يتفق معه ماكس فيبر الذي يعتقد بأن بعض الاختيارات الفيمية والأخلاقية لا تقلل من القيمة الموضوعية للبحث العلمي إذا تمكن الباحث من التحكم فيها خلال عملية التحليل..
5. وتقول الأطروحة الخامسة إن الموضوعية لا تتحقق إلا من خلال ميل الباحثين إلى الإجماع حول خصائص الوقائع الاجتماعية، وذلك عير تقاطع نتائج بحوثهم الأمبريقية والنظرية. ويرى الباحثون أن البحث العلمي في مجال معين يسير في اتجاه تقارب وجهات النظر وتقاطع نتائج البحوث العلمية مما يجعل الإجماع بين العلماء أمرا ممكنا. إن النظرية العلمية الموضوعية أو الصحيحة، من وجهة نظر برنارد وليامز (1985)، هي النظرية التي يجمع عليها العلماء من خلال اتفاقهم على إجراءات البحث العلمي.
يمكن التأليف بين بعض الأطروحات والنظر إليها باعتبارها تمثل مختلف أبعاد مفهوم الموضوعية في مجال العلوم الإنسانية مثلما فعل ماكس فيبر؛ فهو وإن كان يأخذ بالأطروحة الأولى التي تعترف بوجود وقائع اجتماعية موضوعية، فإنه يستبعد الأطروحة الثالثة التي تقول بأن الوقائع الاجتماعية توجد في استقلال عن وعي الفاعلين الاجتماعيين، ويعترف، على العكس من ذلك، بأن الوقائع الاجتماعية هي وقائع "ذاتية" من حيث ارتباطها بوعي الأفراد الذين يصنعونها من خلال إضفاء دلالات خاصة عليها، كما يعترف بالأطروحة الثانية التي تقول إنه من الممكن تقديم وصف أمبريقي ونظري موضوعي لهذه للوقائع.
وإذا كان ماكس فيبر لا يرى مانعا في الأخذ بالأطروحة الأولى، فإن بعض المفكرين من ذوي الاتجاه البنائي l’approche constructiviste يرفضونها جملة وتفصيلا، بدعوى أنه ليس هناك عالم واحد، بل عوالم تتعدد بتعدد الأجهزة المفاهيمية التي تستعمل لوصف التجارب الإنسانية. ولما كانت المقاربة البنائية لا تؤمن بوجود نظرية أو طريقة واحدة مثلى لفهم الواقع الاجتماعي كان لابد أن ترفض الأطروحة الثانية التي تقوم على التصور الإبستملوجي للموضوعية. ومع ذلك أنه يمكن، في إطار هذا التوجه، استبعاد الأطروحة الأولى مع الاحتفاظ بالأطروحة الثانية، بمعنى الإقرار بوجود نظرية علمية مثلى بخصوص مجموعة معينة من الظواهر الاجتماعية مع الاعتراف بأن الوقائع التي تصفها لا تتمتع بوجود موضوعي بالمعنى الأنطلوجي للكلمة..
ومهما يكن من أمر ذلك فإن التوجه العام السائد في الوقت الراهن يسير في الاتجاه الذي رسم ماكس فيبر معالمه، ويجمع بين الأطروحة الأولى والثانية والخامسة. هناك، إذن، ميل عام إلى الاعتراف بوجود واقع موضوعي قائم بذاته، وطريقة موضوعية مثلى للتعامل معه، مع الإقرار أيضا بأن نتائج البحوث في مجال معين تتقاطع فيما بينها وتؤدي إلى حصول نوع من الإجماع بين الباحثين على اختلاف توجهاتهم النظرية ومرجعياتهم القيمية والفلسفية. وتكمن أهمية الإجماع في أنه يحد من مفعول العناصر الذاتية، ويضمن بذلك درجة عالية من الموضوعية.
ونظرا لأهمية الحل الذي اقترحه ماكس فيبر لمسألة الموضوعية في العلوم الإنسانية، قررنا أن نخصص له فقرة نتناول فيها بنوع من التفصيل تصوره لمسألة الموضوعية والحلول التي اقترحها من أجل إضفاء أكبر قدر من الموضوعية على البحث العلمي.
                 
(*) Edward Bryan Portis(1986),Max Weber and political commitment: Science, politics and personality.      Philadelphia: Temple University Press.
(**) Weber, Max. 1895/1994. “The Nations State and Economic Policy (Freiburg Address)” in Weber: Political
      Writings. ed./trans. P. Lassman and R. Speirs. Cambridge: Cambridge University Press.
(*) Weber: Political Writings (op. cit), Introduction by Lassman and Speirs

Partager cet article

Published by Ahmed AGHBAL - dans دروس
commenter cet article

commentaires

Recherche

Archives

عناوين المقالات

دروس في الفلسفة

Liens

Partager cette page Facebook Twitter Google+ Pinterest
Suivre ce blog